في بعض الجلسات مع الشباب والتي يدور فيها النقاش عادة عن قضايانا وشؤون مجتمعنا … تنطلق بعض العبارات التي تختصر في طيات كلماتها الكثير من المعاني، وأحد العبارات التي أستذكرتها في الأيام الأخيرة وجعلتني أتأمل كثيرا … هي عبارة أطلقها أحد الأصدقاء وهو يتكلم عن أزمتنا الحقيقية والتي هي سبب الكثير من مشاكلنا بحسب إعتقاده، هذا الصديق كان يقول : أزمتنا الحقيقة هي .. في إن القليل من الناس من يستخدم عقله … العقلاء قلة .. والعقل مغيب
وكان يقول شارحا فكرته: بأنه لو أن العقل كان موجودا عند مل موقف وقضية وفي كل شؤون الناس لأختفت الكثير من مشاكلنا
وأتذكر إني من يومها .. وأنا أفكر في هذه المسألة .. وأتأمل الكثير من المواقف التي يغيب العقل عنها .. وأرى كيف تزداد الأمور سؤا فسؤا .. وكيف إنه لو كانت هناك بعض العقلانية لأصبحت الحياة الأكثر … إنها ببساطة .. تجعل الرؤية أوضح .. نعم، أوضح بكثير
مؤخرا .. استحضرت هذه الذكرى لعبارة زميلي .. وأنا أتأمل في كيف نجعل الأمور أوضح .. لأننا فعلا بحاجة إلى نجعل الأمور واضحة .. واضحة قدر الإمكان .. لأنه من الصعب جد أن نخسر الوقت والجهد والمال بسبب خطأ ما وقع لأنه كان هناك تشويش في مساحة معينة .. وهذا كثيرا ما يحصل .. تشويش في علاقة معينة .. تشويش في مشروع معين .. تشويش في حقيقة بعض الأمور .. الحياة واقعا بها الكثير من التشويش
وإذا كانت الحياة مليئة بالتشويش .. وفي أحيانٍ كثيرة .. يصبح من الصعب الرؤية بوضوح فالناس على مستويات في تعاملهم مع هذا التشويش .. وفي قدرتهم على الرؤية بوضوح
وأنا وصلت إلى إن الناس على أربعة مستويات في قدرتهم على الرؤية بوضوح:
في هذا المستوى … تتحكم العواطف … وتزيد المشاكل، وتصبح الأمور معقدة كثيرا … والرؤية تكون شبه معتمة إلا فيما ندر (بلطف من الله) … وأكثر ما يزعجني في هذا المستوى .. هو حجم الفوضى .. وطبعا .. في هذا المستوى تكون الخسائر كثرا والألم أكبر
هنا .. لا يوجد أي معنى للمعرفة .. ولا حتى للمعلومات المجردة … الأمور قائمة هنا على المشاعر والأهواء
وفي هذا المستوى … هو ما كان يطمح إليه صديقنا العزيز
في هذا المستوى .. يكون من المهم جدا أن تكون هناك معلومات واضحة المعالم .. وأن يكون هناك منطق معين تسير عليه الأمور .. وأن يكون هناك نظام معين يتحدد من خلاله تصنيف الأشياء وموقعها من الإعراب والصرف
وتكون للمعلومات والحقائق قميتها الكبرى هنا، حيث إنها أساس التفكير العقلاني وبدونها لا يكون التفكير عقلانيا
وهنا تكون الرؤية ممكنة .. وممكنة بصورة تجعلنا لا نعاني الكثير من الألم .. إلا إن الأخطاء ممكنة الحدوث
الحكمة ضالة المؤمن كما جاء في الحديث النبوي الشريف … والوصول إلى متسوى الحكمة يتطلب قدرات خاصة … فالحكمة لا تكون لدى من صفته الغضب .. ولا لمن صفته الحقد والحسد .. ولا لمن صفته الخوف والجبن .. وكأنما الحكمة مرتبطة بنوع من الصفاء النفسي والسمو الأخلاقي
وفي هذا المستوى .. يكون للمعرفة حضورها القوي .. ولكن ليس بشكل معلومات مصفوفة ومنتظمة فقط .. بل إنها تمتزج بفلسفة معينة وبرؤية معينة مما يخلق فلفسفة ورؤية للحياة تجعلنا نتظر من خلالها بشكل أوضح بكثير جدا ومختلف جدا عن المستوى السابق (مستوى العقل)، وتتكون هذه الفلسفة بسبب الكثير من التأمل.
ولذلك نجد التعابير تشير إلى هذا الشخص رؤيته متشائمة .. لأن فلسفته وحكمته في الحياة متشائمة .. والعكس صحيح
وهو أعلى مستوى من الرؤية الواضحة للأمور من الممكن إداركه .. هنا وفي هذا المستوى يعمل كلٌ من العقل ووالقلب في رؤية الأمور … البصيرة كما يقولون هي مستوى متقدم من العلم والمعرفة ممزوج بمستوى متقدم من الإيمان … هنا … تكون الأمور واضحة .. كأوضح ما يكون .. بلا شائبة .. وبلا حتى أدنى درجة من التشويش، هنا (ويا ريتنا نكون هنا) يتحقق للإنسان الوضوح التام .. بحيث يستطيع الإبتعاد عن كل ما يسبب له الألم والخسارة
لا زلت لا أستطيع التوقف عن التأمل في المستويات الأربع أعلاه .. ذلك إنني لازلت أريد أن أرى الأمور بشكل أوضح قدر الإمكان .. وذلك لأني لازلت أرى مقدارا من التشويش والفوضى في الأمور التي حولي … قد أكون في المستوى الأول .. أو لربما في المستوى الثاني … ولربما في مع شيء من الجهد والسعي قد أصل للمستوى الثالث .. ولكني بالتأكيد سوف أحتاج للكثير من التوفيق الإلهي لكي أصل إلى المستوى الرابع
وهذه الصورة تجسيم للكلام أعلاه

بالنسبة لكم .. أين ترون أنفسكم ؟؟؟ في أي مستوى ؟؟
أخوكم .. يتمنى لكم كثيرا من الرؤية الواضحة … وقليلاً من التشويش
محمد النحوي
نشرت بواسطة محمد النحوي